الجاحظ

195

رسائل الجاحظ

فيما أثلت له رجاله وشدت له أوائله من غير أن يرى للعوض وجها وللخلف سببا في عاجل دينه ولا آجل دنياه حتى يكون والي المسلمين هو الذي يحجر عليه ليكون مضض الحجر وذل الحظر وغلظة الجفوة واللقب القبيح وتسليط الأشكال مادة للذي معه من معرفته وبقية عقله ! فصل منه : وقد يكون الرجل معروفا بالنزق مذكورا بالطيش مستهاما باظهار الصولة ، حتى يتحامى كلامه الصديق ويداريه الجليس ويترك مجازاته الكريم ، للذي يعرفون من شدته وبوادر حدته وشدة تسعره والتهابه وكثرة فلتأته ، ثم لا يلبث ان يحضر الوالي الصليب والرجل المنيع فيلفي ذليلا خاضعا أو حليما وقورا أو أديبا رفيقا أو صبورا محتسبا ، وقد نجده يجهل على خصمه . ويستطيل على منازعه ويهم بتناوله والغدر به فإذا عرف له حماة تكفيه ورجالا تحميه وجاها يمنعه وما لا يصول به ، طامن له من شخصه وألان له من جانبه وسكن من حركته وأطفأ نار غضبه ، أو ما علمت أن الخوف يطرد السكر ويميت الشهوة ويطفئ الغضب ويحط الكبر ويذكر بالعاقبة ويساعد العقل ويعاون الرأي وينبت الحيلة ويبعث على الروية حتى يعتدل به تركيب من كان مغلوبا على عقله ممنوعا من رأيه بسكر الشباب وبسكر الغنى وإهمال الأمر وثقة العز وبأو القدرة . . . ! ؟ فصل منه : وإنما أطنبت لك في تفسير هذه الأحوال التي عليها الوجود والعبرة لتعلم أن الناس لو تركوا شهواتهم وخلوا أهواءهم ، وليس معهم من عقولهم إلا حصة الغريزة ونصيب التركيب ثم أخلوا من المرشدين والمؤدبين والمعترضين بين النفوس وأهوائها وبين الطبائع وغلبتها من الأنبياء وخلفائهم لم يكن في قوى عقولهم ما يداوون به أدواءهم ويجبرون به من أهوائهم ويقوون به لمحاربة طبائعهم ويعرفون به من جميع مصالحهم ، وأي داء هو أردى من طبيعة تردي وشهوة تطغى ، ومن كان لا يعد الداء إلا ما كان مؤلما في وقته ضاربا على صاحبه في سواد ليله وبياض نهاره فقد جهل معنى الداء . وجاهل الداء جاهل بالدواء .